الجاحظ

108

المحاسن والأضداد

لسيد قومه ، فما حملك وضعك نفسك في هذا المكان ؟ فقال : أنا واللّه أخبرك ، كنت عاشقا لابنة عمي هذه التي رأيتها وكانت هي أيضا لي واهقة ، فشاع خبرنا في الناس ، فأتيت عمي فسألته أن يزوجنيها . فقال : يا بني ، واللّه ما سألت شططا ، وما هي بآثر عندي منك ، ولكن الناس قد تحدثوا بشيء وعمك يكره المقالة القبيحة ، ولكن انظر غيرها في قومك حتى يقوم عمك بالواجب لك ، فقلت : لا حاجة لي فيما ذكرت وتحملت عليه بجماعة من قومي فردهم وزوجها رجلا من ثقيف له رئاسة وقدر فحملها إلى هاهنا - وأشار إلى خيم كثيرة بالقرب منا - فضاقت علي الدنيا برحبها وخرجت في أثرها فلما رأتني فرحت فرحا شديدا وقلت لها : لا تخبري أحدا أني منك بسبيل ثم أتيت زوجها وقلت : أنا رجل من الأزد أصبت دما وأنا خائف ، وقد قصدتك لما أعرف من رغبتك في اصطناع المعروف ولي بصر بالغنم إن رأيت أن تعطيني من غنمك شيئا فأكون من جوارك وكنفك فأفعل . قال : نعم وكرامة ، فأعطاني مائة شاة وقال لي : لا تبعد بها من إلي ، وكانت ابنة عمي تخرج إليّ كل ليلة في الوقت الذي رأيت وتنصرف ، فلما رأى حسن حال الغنم أعطاني هذه فرضيت من الدنيا بما ترى . قال : فأقمت عنده أياما ، فبينا أنا نائم إذ نبهني وقال : يا أخا بني عامر ، قلت له : ما شأنك ؟ قال : إن ابنة عمي قد أبطأت ولم تكن هذه عادتها وو اللّه ما أظن ذلك إلّا لأمر فحدثني فجعلت أحدثه ، فأنشأ يقول : ما بال ميّة لا تأتي كعادتها * هل هاجها طرب أو صدها شغل لكن قلبي لا يعنيه غيركم * حتى الممات ولا لي غيركم امل لو تعلمين الذي بي من فراقكم * لما اعتذرت ولا طابت لك العلل نفسي فداؤك قد أحللت بي حرقا * تكاد من حرّها الأحشاء تنفصل لو كان عادية منه على جبل * لزلّ وانهدّ من أركانه الجبل فو اللّه ما اكتحل بغمض حتى انفجر عمود الصبح وقام ومر نحو الحي فأبطأ عني ساعة ثم أقبل ومعه شيء وجعل يبكي عليه ، فقلت له : ما هذا ؟ قال : هذه ابنة عمي افترسها السبع فأكل بعضها ووضعها بالقرب مني فأوجع